ابن كثير

261

البداية والنهاية

وسادتي . ثم مات حكيم قتيلا هو ونحو من سبعين من قتلة عثمان وأنصارهم أهل المدينة ، فضعف جأش من خالف طلحة والزبير من أهل البصرة ، ويقال : إن أهل البصرة بايعوا طلحة والزبير ، وندب الزبير ألف فارس يأخذها معه ويلتقي بها عليا قبل أن يجئ فلم يجبه أحد ، وكتبوا بذلك إلى أهل الشام يبشرونهم بذلك ، وقد كانت هذه الوقعة لخمس ليال بقين من ربيع الآخر سنة ست وثلاثين ، وقد كتبت عائشة إلى زيد بن صوحان تدعوه إلى نصرتها والقيام معها فإن لم يجئ فليكف يده وليلزم منزله ، أي لا يكون عليها ولا لها ، فقال : أنا في نصرتك ما دمت في منزلك ، وأبى أن يطيعها في ذلك ، وقال : رحم الله أم المؤمنين أمرها الله أن تلزم بيتها وأمرنا أن نقاتل ، فخرجت من منزلها وأمرتنا بلزوم بيوتنا التي كانت هي أحق بذلك منا ، وكتبت عائشة إلى أهل اليمامة والكوفة بمثل ذلك ( 1 ) . مسير علي بن أبي طالب من المدينة إلى البصرة بدلا من الشام بعد أن كان قد تجهز قاصدا الشام كما ذكرنا ، فلما بلغه قصد طلحة والزبير البصرة ، خطب الناس وحثهم على المسير إلى البصرة ليمنع أولئك من دخولها ، إن أمكن ، أو يطردهم عنها إن كانوا قد دخلوها ، فتثاقل عنه أكثر أهل المدينة ، واستجاب له بعضهم ، قال الشعبي : ما نهض معه في هذا الامر غير ستة نفر من البدريين ، ليس لهم سابع . وقال غيره أربعة . وذكر ابن جرير وغيره قال كان ممن استجاب له من كبار الصحابة أبو الهيثم بن التيهان ، وأبو قتادة الأنصاري ، وزياد بن حنظلة ، وخزيمة بن ثابت . قالوا : وليس بذي الشهادتين ، ذاك مات في زمن عثمان رضي الله عنه . وسار علي من المدينة نحو البصرة على تعبئته المتقدم ذكرها ، غير أنه استخلف على المدينة تمام بن عباس وعلى مكة قثم بن عباس وذلك في آخر شهر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين ، وخرج علي من المدينة في نحو من تسعمائة مقاتل ( 2 ) ، وقد لقي عبد الله بن سلام رضي الله عنه عليا وهو بالربذة ، فأخذ بعنان فرسه وقال : يا أمير المؤمنين ! لا تخرج منها ، فوالله لئن خرجت منها لا يعود إليها سلطان المسلمين أبدا ، فسبه بعض الناس ، فقال علي : دعوه فنعم الرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وجاء الحسن بن علي إلى أبيه في الطريق فقال : لقد نهيتك فعصيتني تقتل غدا بمضيعة لا ناصر لك . فقال له علي : إنك لا تزال تحن علي حنين الجارية ، وما الذي نهيتني عنه فعصيتك ؟ فقال : ألم آمرك قبل مقتل عثمان أن تخرج منها لئلا يقتل وأنت بها ، فيقول قائل أو يتحدث متحدث ؟ ألم آمرك أن لا تبايع الناس بعد قتل عثمان حتى يبعث إليك أهل كل مصر ببيعتهم ؟ وأمرتك حين خرجت هذه المرأة وهذان الرجلان أن تجلس في بيتك حتى يصطلحوا فعصيتني في ذلك كله ؟ فقال له علي : أما قولك أن أخرج قبل مقتل عثمان فلقد أحيط بنا كما أحيط

--> ( 1 ) انظر كتاب عائشة إلى أهل الكوفة في الطبري 5 / 181 - 182 . ( 2 ) في الطبري سبعمائة رجل .